مالئ الدنيا وشاغل الناس في الإمارات هذه الأيام ليس سليل عمل عائلي ورثه أباً عن جدّ. بل هو شخص عصاميّ يمثل قصة نجاح دبيّ ويتماهى معها. محمد علي العبار، رئيس “مجموعة إعمار العقارية“، خرج من عائلة متواضعة في الراشدية بدبي، ليبدأ حياته المهنية من البنك المركزي في أبوظبي سنة 1981، ويصل إلى الجلوس على رأس إمبراطورية عقارية بناها بجهد وإصرار ورفع لها دعائم ضخمة داخل وخارج دولة الإمارات. العبار هرمٌ بارز في عالم الأعمال إقليمياً ودولياً، ولا يخفى اسمه على أحد، إذ ارتبط بصياغة الصورة الذهنية عن إمارة دبي كواحدة من المراكز المالية والتجارية والسياحية العملاقة. ويشيد الكثيرون ببراعته وعبقريته كرجل أعمال مبادر ومغامر وصاحب رؤية ثاقبة، تلاحظ موجات التغيير وتؤثر فيها.

لكن اسم العبار يتكرر اليوم لسبب مختلف. إذ دأب رجل الأعمال الذي سيبلغ الستين من عمره نهاية هذا العام على الاستثمار بشركات تتعلق بشكل أو بآخر بالتجارة الرقمية وقطاع التكنولوجيا، آخرها استحواذه على 16.45% من شركة “أرامكس” للخدمات اللوجستية، منها حصة المؤسس فادي غندور. هدفه غير المعلن رسمياً حتى الآن هو بناء منصة تجارة إلكترونية ومنصات خدمات رقمية في العالم العربي.

ما قاله العبار في رمضان الماضي ينبئ بما هو آتٍ. فخلال المحاضرة في مجلس ولي عهد أبوظبي مطلع يوليو (تموز) 2016، أشار العبار إلى أحاديث عديدة مع الشيخ محمد بن زايد حول التحول الرقمي، وإقامة مشاريع في هذا القطاع وفي مجال التجارة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. أكد العبار في المحاضرة بأنه قد بدأ بالتحرّك في هذا الاتجاه، معلناً أنه بحلول نهاية 2016 سيتم تحقيق إنجاز ما على صعيد مؤسسة تُعنى بالتجارة الإلكترونية، والتواصل الاجتماعي، والأعمال المصرفية الحديثة، والدعم اللوجستي في الإمارات. ويذكر متابعون أن العبّار جمع فعلاً مليار دولار من مستثمرين لضخها في هذا النوع من المشاريع.

وقال العبار: “يوجد نحو 3 مليارات شخص في العالم متصلين بالإنترنت، 150 مليون منهم متواجدون في العالم العربي، وهذا الرقم في ازديادٍ مستمر. وكلٌّ منا يقضي حوالي 4 ساعات يومياً أمام هاتفه الذكي، إذ أصبحت حياتنا كلها إلكترونية، ونرسل في اليوم الواحد بحدود 41 رسالة واتساب، وهذه الأرقام ستتضاعف عشر مرات بحلول 2020”.

وأضاف: “الأمة العربية أكبر مستخدم لموقع يوتيوب، بمعدل 14 مليون و500 ألف ساعة خلال الشهر الواحد، وهو أعلى رقم في العالم. كما أن عدد زبائن نتفليكس في الشرق الأوسط أصبح خلال 4 أسابيع مساوياً لعدد زبائنها الذين حصلت عليهم في فرنسا خلال 3 أعوام، وهذا يدل على أن عدد الشباب في المنطقة العربية المعتمدين على الإنترنت كبير بشكل ملحوظ”.

وأوضح أن حجم التجارة الإلكترونية العربية وصل إلى 7 مليارات دولار في 2015، متوقعاً أن يصل إلى 20 مليار دولار خلال 2020. أما حجم التجارة الإلكترونية العالمية، فوصل إلى 600 مليار دولار، ما يعني أن العالم العربي يشكّل أقل من 1% من التجارة الإلكترونية العالمية، “وبالتالي فإنّ العرب لا يشكلون جزءاً من هذه المعادلة بعد”.

كما بيّن العبار أن مواقع التواصل الاجتماعي مثل “إنستغرام” و”فيسبوك” باتت وسيلةً مثالية للتجارة الإلكترونية، ويلجأ الكثيرون إلى هذه المواقع لعرض منتجاتهم وجذب الزبائن. وبالتالي فإن مستقبل هذه التطبيقات والمواقع “تجاري بحت”. ويساهم في ذلك أيضاً تطبيق المحادثات “واتساب”، الذي تحوّل أيضاً إلى وسيلة تجارية، وبات عدد زبائن “واتساب” أعلى من عدد زبائن “فيزا” بـ25%، حيث أشار العبار إلى أن “واتساب” قريباً سيصبح قريباً أكبر مصرف ينافس “فيزا” و”ماستر كارد”، وسيتحول عما قريب إلى أكبر مجمع تجاري إلكتروني على وجه الأرض.

وركّزت رؤية محمد العبار حول التجارة الإلكترونية ومستقبلها في المنطقة على ثلاثة محاور رئيسة، هي:

1. الانتقال من دور المستهلك إلى دور المنتج.

لفت العبار إلى أن شركات عالمية كبرى تجمع المعلومات والبيانات حول العادات الشرائية والغذائية لدى المستهلكين في العالم العربي، إضافةً لمعتقداتهم وأصدقائهم وشؤونهم المالية، وتحللها لتتوصل من خلالها إلى سياسات واستراتيجيات تستهدف بها المستهلكين العرب أفضل من استهداف الشركات العربية لهم، ويبدأ عندها انتقال تجمع الربح من أصحاب الأصول إلى شركات التكنولوجيا والعرب يشاهدون ما يجري حولهم دون أن يكون لهم دور في ذلك سوى دور الاستهلاك، “فحتى الآن، لا يزال العالم العربي مستهلكاً صرفاً وليس منتجاً للمادة الرقمية، الأمر الذي يضيع عليه فرصة خلق القيمة الكامنة من خلال المادة الرقمية، ومن أصل 200 شركة تقنية عالمية تزيد قيمتها السوقية على مليار دولار، هناك شركة عربية واحدة على هذا التصنيف وهي سوق.كوم”.

وقال العبار: “لا بدّ وأن نشيّد حصوننا الرقمية ونبني خدماتنا بأنفسنا ونتوسع في الاستثمارات بالعالم الرقمي، تماماً كما فعلت الصين وروسيا وغيرها من الدول”، فالصين مثلاً استغنت عن الموقع الأميركي أمازون وأنشأت موقعاً بات اليوم أكبر منه ويسمى علي بابا، الذي وصلت قيمته السوقية بحسب مجلة أريبيان بزنس إلى 202 مليار دولار. كما استغنت الصين عن واتساب ببديلٍ محليّ أكثر تقدماً يدعى وي تشات”.

2. امتلاك البيانات والمعلومات الدقيقة حول المستهلكين.

بيّن العبار أن مواقع التواصل الاجتماعي والشركات الإلكترونية مثل “غوغل” و”واتساب” تعرف كل شيء عن المستهلكين، بما في ذلك الحالة الصحية وأنواع المأكولات والوضع المالي، أي لديهم معلومات هائلة متعلقة بحياة كل شخص، والذي هو في النهاية مستهلك مستهدف بالنسبة إليهم، وقال: “هذه البيانات والمعلومات هي الأهم للاقتصاد الوطني، فالذي يمتلكها يسيطر على الاقتصاد”.

وأشار إلى أنّ من يسيطر على الشركات ليسوا أصحابها بل شركات تقنية المعلومات والتجارة الإلكترونية، وأن عائدات هذه الشركات كبيرة وهي التي تتحكم في حجم المبيعات ونوعيتها، وتحصل على نسب مبيعات أعلى من التي يحصل عليها أصحاب الشركات، كحال مؤسسات الفنادق مثلاً مع موقع “بوكينغ.كوم” الذي يحصل على قرابة 25% من قيمة الحجوزات بينما يحصل الفندق على 7 أو 8% فقط، وذلك لأن شركات التجارة الإلكترونية لديها كماً هائلاً من المعلومات الدقيقة عن الزبائن وعاداتهم الشرائية، وأوقات ازدياد الطلب وانخفاضه، والسلع التي تجذبهم، وغيرها الكثير، ما يمكّنهم من استقطاب الزبائن وبيع المنتجات المناسبة للشخص المناسب في الوقت المناسب.

وذكر مثالاً على ذلك مشروع “إعمار” في حي بلغارد الصربيّ، إذ لجأت الشركة إلى “فيسبوك” و”غوغل” للحصول على معلومات حول من يبحث على شقق سكنية في بلغراد، سواءً كان صربياً أم لا، وما نوع الشقق التي يتم البحث عنها، مشيراً إلى أن تلك الشركات تجمع أدق المعلومات حول كل مستهلك لتستفيد منها في بيع البضائع مهما كانت.

3. التعليم وسرعة الاستثمار في مجالات التكنولوجيا.

أكد العبار أنه إذا أردنا التحول إلى العالم الرقمي، فيجب علينا البدء بقطاعين، وهما التعليم وسرعة الاستثمار في هذا المجال وبشجاعة، إضافةً للاستفادة من السوق الضخم للتجارة الإلكترونية.

ودعا أي شخص لديه مصدر دخل أو أرباح أن يستثمر ما نسبته 5% منها في مؤسسات التجارة الإلكترونية العربية، لأن مستقبلها أضمن وتحقق معدلات أرباح أفضل، “ولأنه علينا تعلّم هذه الصنعة”.

وقال: “من الضروري تطوير البنية التشريعية والقوانين، لكن الأهم من ذلك تطوير البنية التحتية، وهي موجودة في دولة الإمارات وجيّدة، وبالتالي على المؤسسات المحلية أن تبادر بالاستثمار في هذا المجال على المدى الطويل، ويجب ألا نبيع الشركات التكنولوجية للخارج كما حدث بموقع مكتوب الذي بيع لشركة ياهو، ولم نعد نحن العرب نتحكّم بشيء”.

بالنسبة للعبار، الأمر واضح وضوح الشمس، ومثلما بنى “إعمار” كواحدة من أكبر شركات العقار في العالم، فهو اليوم سيبني شركة ستضع الإمارات في مقدمة الخدمات الإلكترونية من التسوق والتجارة الرقمية إلى الإعلام ووسائل التواصل. الأمر واضح للعبار كما هو واضح لابن أخته جمعة، البالغ من العمر 9 أعوام. فقد سأله: “ما هي أهم ثلاثة أشياء لا تستطيع العيش دونها؟”، فأجاب جمعة، “أولاً، الماء والهواء… ثم الإنترنت”. فسأل العبار: “ماذا عن الطعام؟ وماذا عن والديك؟” رد جمعة، “ببساطة سأطلب الطعام عبر الإنترنت. أما أمي وأبي، فسأكلمهما عبر تطبيق واتساب”. العبّار المغامر يعرف أن الرهان الناجح على المستقبل هو في الرهان على خيارات جمعة.
منقول


jp]~d hguf~hv fu] Yulhv: Ylfvh',vdm ggj[hvm hgYg;jv,kdm jp]~d hguf~hv fu] Yulhv: Ylfvh',vdm ggj[hvm hgYg;jv,kdm